الروح الشاعرة وعوالم أخرى

في ديوان [ يا دوب تلحق] للشاعر/ محمود عبد الباسط

                                                    أحمد عامر

عندما نقف أمام قصائد ديوان " يا دوب تلحق " للشاعر / محمود عبد الباسط سنجد أن هذا الديوان يضيف إلى رصيد الكتابة التي تلتصق باليومي والمعاش بلغة منتقاه تصنع توازي بين العالم الخارجي وعالم آخر شعري منفتح على جميع المصادر اليومية، الشعبية، الثقافية، فتصبح هذه الكتابة متأثرة بهذه الحركة الشعبية الغير منتظمة في الظاهر، وأعادة صياغتها في قالب منتظم يملك جماليات الروح الشاعرة والرؤية التي تخلق النظام المحمل بالاهداف التوصيلية والافكار الانتقادية، وأيضا البحث عن حالات جمالية ومواقف ومشاهد مستقرة طبيعية ليعيد التكامل ويصنع التوازن بين الحالات والحركات الاجتماعية والسياسية والنفسية الغير طبيعية إلى حياة أخرى طبيعية تملك عناصر وجودها وقوتها وهذه الحالات تعكس وقفة الشاعر التأملية ورصده لكل ما هو كائن مرتبط بالوجود الإنسانى من فقد وهيمنه وتحرر وهذه البساطة الناتجة عن الجماعة الشعبية الغير منتظمة وتصدر نتائج عشوائية يرصدها الشاعر بصفته مستهلكاً ثم ينتقي ويعكس هذه المشاهد والأحداث التي تعتبر الخيط الرفيع المشترك بينه وبين هذه الجماعة محملة بالرؤى والأفكار ليصبح منتجاً لهذه الأحداث التي تنطلق من أسر الجماعة الشعبية إلى اتجاهات متعددة متفاعلة مع جميع الطبقات الثقافية فالشاعر هنا يعتمد على اليومي والمعاش وينجح في إخراج فكرة جديدة من جوف فكرة مستهلكة وينجح أيضاً في رصد العادي وتصديره بأبعاد أكبر وأعمق فالعادي عند هذا الشاعر الذي يملك القدرة على كتابة قصيدة بسيطة في الظاهر وتحمل في أحشائها المفاتيح التي تخرج النص من السطحي والشاعر من الراصد إلى المتفاعل الذي يقدم الرؤى والفلسفة وأحيانا يكون راصداً مكتفياً بدوره هذا في مواجهة الواقع والطبيعة يتصدر قصيدة مباشرة قاسية تتعامل مع واقع متغير جديد بروح جديد بصوت صادق يعبر عن المهمشين وذلك الواقع الخادع فيصبح الشاعر مرأة للمجتمع في قصيدة [ المواطن عكاشة]:

[ طلب عرضحال/ عليه دمغة ميري بيناته كامله / ومش طالب أكتر / من أنك تأشر عليه بالموافقه/ وكل اللي طالبه:/ حسابي وها روح/ لأني زهقت ومش ناوي أبقى / مواطن لحد] والشاعر عند محمود عبد الباسط هو تلك القصيدة التي تصبح كتلة درامية تستمد قوتها من التنامي الطبيعي، وعندما يلجأ إلى الكتابة المباشرة لا يقف عاجزاً أمام المضمون فسنجد أن قصيدة [المواطن عكاشة] تعبر عن حالة تمرد ورفض للواقع الذي يهمش الانسان ودوره فيصبح رد الفعل طبيعياً لا برصد المتناقضات والانكسار، لكن ذلك التمرد يخرج على شكل رغبة فى الاستقلال بالذات والخروج والانفلات من الأسر والهيمنة والأنتماء

[ ومرفق بطيه/ بطاقتي ... شهادتي / وحبة ورق / من عبطي كتبته / خدوا مش عايزهم/ وسيبوا الهدوم الي ساتره البدن/ عشان مسألة انسانية وكرامه/ أقولك .. خدوها/ كده برضه أحسن وأخر طراه] وهذا التنامى الطبيعي الذي يصل بهذا البيان الغير واقعي المباشر إلى هاجس نفسي يحاول التمرد على ذلك الواقع ولا يصبح محمود عبد الباسط أسيراً لهذا القالب الواحد لأنه يبحث عن كل ما يخدم القصيدة بمكونات جديدة تخدم السياق العام رغم امتلاكه لقاموس خاص فهو قادر على تلوين المفرده لتصبح خادمة مؤثرة فاعلة داخل السياق العام.

[ويشفع تاريخى/ لطلبى الوحيد/ عكاشة اللى حارب/ومات مرتين!/ وماشى فى جنازته/ وواخد عزاه/ وكنت فى صُوْانى/ مشرف سيادتك/ وف الانتخاب أنا اللى انتخبتك/ بذمة جنابك حاجات مش تضحك!/

[فسيبك بقى م الخطط والسياسة/ بتجى تخطط تخطط عليا/ بقيت الحمار المخطط بتاعك ففك اللجام والغما عن عنيه وسبنى أبرطع بعيد عن جنابك/ لانى زهت ومش ناوى أبقى/ مواطن لحد/ ] وسنجد أن الابتعاد عن كل مباشر والتحول إلى النص المفتوح الذى يتحمل الأبعاد الفكرية وهذا التنوع يظهر طموح هذا الشاعر بالوصول بالقصيدة إلى مرحلة الانتقاء والبحث عن مفردات وجماليات جديدة تناسب مجموع الأفكار والرؤى التى يقوم الشاعر بطرحها ونلاحظ أن قصيدة (المواطن عكاشة) تهدف إلى التوصيل والتفاعل الروحى لذلك استخدم الشاعر الجماليات الواقعية وهو إعادة إنتاج الواقعى بانتقاء وتأمل (اللحظة التأملية) التى أشار إليها الشاعر (فؤاد حجاج فى جريدة العمال العدد 1839) عن هذا الديوان ولكن الشاعر ينطلق إلى التعبير الذاتى فيطرح الرؤى من خلال ذاته الشاعرة ويصبح المتلقى مشاركاً من خلال المساحات الخالية [بيقوم بالنوم/ على ريحة موت/ بيغسل وشه/ بحبة ميه فى كفه/ وبيلبس مريلته الصفرا/ وبيفطر من كحك الرحمة/ متكحل بتراب السكة/ لو يحلف...../ يحلفلك على عضم التربة/ ومذيعة واقفة بتسأل:/ نفسك يا حبيبى تطلع إيه؟/ تفتكروا ما بيردش ليه؟/ ] والرصد هنا يحافظ على التواصل الفكرى مع الحفاظ علىالحالة الإنسانية التى تلازم الشاعر ولست مع الشاعر/ عبد الواحد بحيرى فى أن محمود عبد الباسط قام بتقييم الحالة الإنسانية (الأهرام المسائى العدد 4489) فالحالة الإنسانية موجودة ومتوهجة والتوتر والثبات والرؤية موجود أساساً.

لكن الحالة والفكرة تفرض موقع الحالة الإنسانية وظهورها أو خفوتها فقصيدة تعبر عن القهر غير قصيدة تعبر عن الطبيعة وإذا قام شاعر بتقسيم الحالة الإنسانية بوعى يدخل فى دائرة التصنيع والشاعر هنا يحاول التواصل مع الحالة التى رصدها ليقدم إلى المتلقى الرؤى بصدق وطموح محمود عبد الباسط الوصول إلى قصيدة متفردة تحمل أهدافها التوصيلية وصنع التكامل بين الشكل والمضمون وهذا الديوان هو مشروع كامل يوازى بين الواقعى والحسى فقصيدة (سلمى) تعكس النموذج الحسى وتعكس أيضاً الواقع ويوزاى بين مرحلة البراءة واللاوعى والقهر اليومى للشاعر الذى يتعامل مع الحياة بوعى وسلمى التى تتعامل مع الواقع بتلقائية تناسب ذلك السن الصغير بالرغم من أن القصيدة لم ترصد سوى حياة سلمى وتصبح الحياة الأخرى متخيلة تصل إلى القارئ مباشرة من خلال ذلك الحوار الذى يمنح القصيدة قوة ليظهر ما خلف البنية الأساسية.

[بكتبلك من قبل ما تكبرى/ وتبصى ع الدنيا بعين الجد/ حاولى تكونى صغيرة/ على قد ما تقدرى/ واتعلمى ف الكلام على أقل من مهلك]

ويستمر راصداً [بعترتى أشياءنا القديمة كلها/ خرجتى قلب الأوضة ف الصالة/ عملك م الورق جدو/ سفينة وبيت وطيارة/ ولو تقعد على السفرة/ تبعتر ع الملايكة الرز] ويصبح الإبداع عند محمود عبد الباسط رسالة وفن فينتقى قصائده بوعى ويظهر التوازى بين المهمش والعام فى قصيدة (عاجز نظر) وهنا نجد أن الشاعر يستخدم الحالة الخاصة الإنسانية الثابتة (عاجز نظر) للخروج إلى حالة عامة (البصر، والبصيرة) وذلك الخادع والحقيقى [بس النظر مش ضى ولا صورة/ أنا المسك وأحس طبعك/ أعرف فى طعم الروح من الريحة/ يا ما خلايق تضمنى لصدرها/ بجته باردة وروحها زى التلج/ ياما خلايق من حرارة كفها/ تحس طعم الاشتياق والونس] ثم ينطلق إلى الدرامه المُكملة التى تصل بالقصيدة إلى درجة التنامى ودمج السرد الصانع الأول للشكل عند محمود عبد الباسط والروح هى الموسيقى التى تصنع التواصل بينى القارئ والنص [عارف بأن الدنيا بنت متغندرة/ سايقه دلالها وكل الخلق شاغلوها/ خايف أشوف دنيتى تطلع كده/ مكعبرة/ يبقى العمى أحسن/ من شوف طشاش وقتها].

والقصيدة هنا توازى بين الكفيف والعمى الجماعى الذى أصاب المجتمع فهو لا يرصد الواقع ويسرد الحقيقة الكاملة فالقصيدة تحمل فى أحشائها قصيدة أخرى لا تنقل حالة واحدة فيخرج من حالة الرصد إلى فكر أعمق فتلقى القصيدة ببعض المفاتيح وتضعها أمام القارئ للتعامل مع القصيدة حسب ميوله وثقافته فنجد المفتاح الذى يحول القصيدة [حافظ شارعنا بالحفر/ وأصحابى بالقهوة وبالنكتة/ وأعرف بلدنا ع الخريطة وحدودها/ وألمس بأيدى النيل وأملس ع الشجر/ ويقولو قال عاجز نظر]

ولم يحاول الشاعر التمرد على كل ما هو شعبى ولكنه استبدل الشكل الفوضوى العادى والرصد العشوائى بالانتقاء وطرح ثقافته لتصل القصيدة إلى جميع الطبقات الثقافية رغم البساطة المفخخة التى تخرج القصيدة من الحالة العادية إلى حالة أخرى مثل (مذكرات خيال مآتة) و(عربية فول) و(ميت دمه خفيف).

والشاعر يصل بالشاعرية إلى أقصى درجاتها منحازاً إلى المنطوق واستخدامه للعامية المصرية لأن الكتابة بالمنطوق أكثر صادقاً فهو يكتب باللغة اليومية التى تعبر أيضاً بصدق وتعرض الفلسفة الخاصة المقطرة والمستمدة من الواقع والتجربة الفردية لتضع لونها على الحياة عامة فى قصيدة (سواق ترلة).

[كانت ضحكت لمين؟/ سكه عجب/ والفردتين نايمين/ سلبت حملى بالحبال التيل] ثم [طول ما أنت رجلك ع الطريق الروح بتتأمل/ الخلق تمرق عن يمينى وعن شمال/ أضحك على لعب العيال/ واللى سبق ما سبق/ والسكة بقيالى]

وتعود القصيدة إلى لحظة التأمل وإظهار حركة الحياة من خلال حركة السائق ورصده وإلقاء الفلسفة لتخرج القصيدة من المألوف.

[وادى اللى خدته/ م الزمان الطويل/ شايب وشايل حمولى/ يا بدوى يا دسوقى/ فايت على بلادكم جدع/ شادد/ ف مقطورة وجع/ وانتو الكرام العدول/ يا شايلين الحمول/ يا رب تسترها] ونعود إلى طموح الشاعر وبحثه عن جماليات فاعلة خادمة فهو يترك للفكرة أن تختار المفردة فتصبح القصيدة كتلة واحدة كما نرى فى قصيدة [على الهوا.. الموت فى غزة] وهى قصيدة تهدف إلى التوصيل والرصد وقصائد أخرى تعيد جماليات الطبيعة مثل (حال الجناين) و(حوض الورد) ليخرج مرة ثانية بقصيدة (يا دوب تلحق) ويلقى بفلسفته ورؤيته ورصده، هذا التخبط الذى يمر به المجتمع.

[يا ولادى عدونى الطريق/ يا عم ده مش طريق/ دى جناين ورد/ كده/ خدونى ريح السجر/ اشكيله من علتى/ يا ولادى عدونى دا البحر/ الغميق/ يا عم ده مش بحر/ دا هدير البشر/ فاتوا العمار بعد النهار ما انقطع] وكذلك قصيدة (القزم) واستخدام قصير القامة كإنسان عادى قزم أو قياساً لقامته الاجتماعية أما قصيدة (ساب الجنية) وينتقل بنا الشاعر من الرصد لهذه الحالات الاجتماعية أو الفلسفية وتتبعها إلى رصد الطبيعة وتحميلها بالفلسفة ويجعل هذه الطبيعة هى التى تطرح فلسفتها الخاصة مع الحفاظ على جماليات القصيدة.

[ساب الجنية ما حبهاش/ وما قاليناش إيه السبب/ الورد طار ويا الفراش/ بقت السما ألوان عجب] ثم [ساب الجنينة وضلها/ الورد مل الانتظار/ طول عمره شارب مرها/ ولا داقتى منها غير عكار/ ساب الجنية]

نحن أمام شاعر عاشق يمتلك القدرة على الانطلاق من حدود الشعر إلى عوالم أخرى وآليات كتابية أخرى تخدم قصيدة العامية ويخرج بالشعر من المباشر السطحى إلى التواجد النفسى والثقافى والاجتماعى ويحاول أن يعبر عن الجماعة الشعبية ويثقفها ويعكس الخلل والجماليات لتصبح الحياة متكاملة طبيعية ويواجهه قصيدة الفصحى التى تواصلت مع الفلسفة والحركة الاجتماعية والتراث... إلخ) كل ما هو موجود ثقافى مع وجود الفكر والحالة الإنسانية، لكنه يواجه هذا التطور بتطور مماثل مع التميز بالتفاعل مع الهموم والأحداث الحية وتلوينها لتعبر وتفرض الرؤية بشاعرية متدفقه. نحن الآن نقف أمام شاعر له طموح عظيم يريد أن يصل إلى البسطاء والمثقفين من خلال البساطة والعمق والفلسفة والفكر فى آن ولذلك يحاول البحث عن قضايا وجماليات مستمرة تستمد استمراها من الروح الشاعرة والخلود الجمالى والصدق.

صدر الديوان عن سلسلة إبداعات الهيئة العامة لقصور الثقافة العدد 175